عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
182
اللباب في علوم الكتاب
عليه ، أي : أحسن الخالقين خلقا المقدرين تقديرا كقوله : « أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ » « 1 » أي : في القتال حذف المأذون فيه لدلالة الصلة عليه « 2 » . فصل : [ في قول المعتزلة : لولا أن يكون غير اللّه قد يكون خالقا لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين ] « 3 » قالت المعتزلة : لولا أن يكون « 4 » غير اللّه قد يكون خالقا لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين ، كما لو لم يكن في عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه : « أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ » « 5 » و « أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » « 6 » . والخلق في اللغة : هو كل فعل وجد من فاعله مقدّرا لا على سهو وغفلة ، والعباد قد يفعلون ذلك على هذا الوجه . قال الكعبي « 7 » : هذه الآية وإن دلت على أن العبد خالق إلا أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد ، كما أنه « 8 » يجوز أن يقال : ربّ الدار ، ولا يجوز أن يقول : رب ، ولا يقول العبد لسيده : هذا ربّي ، ولا يقال : إنما قال اللّه سبحانه « 9 » ذلك « 10 » لأنه وصف عيسى - عليه السلام « 11 » - بأنه يخلق من الطّين كهيئة الطّير « 12 » . لأنا نجيب من وجهين : أحدهما : أن « 13 » ظاهر الآية يقتضي أنه سبحانه « أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » الذين هم جمع فحمله على عيسى خاصة لا يصح . الثاني « 14 » : أنه إذا صحّ وصف عيسى بأنه يخلق صحّ أنّ غيره سبحانه يخلق وصحّ « 15 » أيضا وصف غيره من المصورين بأنه يخلق . وأجيب بأن هذه الآية معارضة بقوله « 16 » : « اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ » « 17 » فوجب حمل
--> ( 1 ) من قوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [ الحج : 39 ] . ( 2 ) انظر الكشاف 3 / 44 . ( 3 ) هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 86 - 87 . ( 4 ) يكون : سقط من ب . ( 5 ) من قوله تعالى : وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ [ هود : 45 ] . ( 6 ) [ الأعراف : 151 ] ، [ يوسف : 64 - 92 ] ، [ الأنبياء : 83 ] . ( 7 ) في ب : قال الكلبي . ( 8 ) في الأصل : كأنه . ( 9 ) في ب : قال تعالى . ( 10 ) ذلك : سقط من ب . ( 11 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 12 ) في قوله تعالى : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 49 ] . وقوله تعالى : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي [ المائدة : 110 ] . ( 13 ) في ب : أنه . وهو تحريف . ( 14 ) في ب : والثاني . ( 15 ) في ب : ويصح . ( 16 ) في الأصل : بقو . وفي ب يقولوا . والصواب ما أثبته . ( 17 ) من قوله تعالى : قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ الرعد : 16 ] . وقوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [ الزمر : 62 ] .